‏إظهار الرسائل ذات التسميات فهمي هويدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فهمي هويدي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 مارس 2013

من تونس إلى قنديل


من تونس إلى قنديل


لاتزال تونس تبعث إلينا بالرسائل التى تستحق القراءة والاعتبار. بعد الثورة التى حصلت فيها حركة النهضة على الأغلبية البرلمانية فى انتخابات المجلس التأسيسى، توافقت الأحزاب الثلاثة التى حصلت على أعلى الأصوات على اقتسام السلطة. وبناء على ذلك تولى الدكتور المنصف المرزوقى رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (ليبرالى) رئاسة الدولة، وانتخب الدكتور مصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل من أجل العمل والحريات (علمانى يسارى) رئاسة المجلس التأسيسى (الأقرب إلى البرلمان) وتولى السيد حمادى الجبالى الأمين العام لحزب النهضة رئاسة الحكومة. هذا التحالف الثلاثى (الترويكا) تولى تسيير شئون البلد منذ شهر ديسمبر عام 2011. وبسبب التركة الثقيلة والمشكلات المتراكمة واجهت الحكومة صعوبات بعضها متعلق بالأوضاع الاقتصادية والبعض الآخر وثيق الصلة بالأجواء السياسية والأمنية، وعمليات التحريض والاحتقان التى أسهمت فيها أحزاب المعارضة. إلى أن وقع حادث اغتيال المعارض اليسارى شكرى بلعيد، الذى لايزال يجرى التحقيق فيه، وإن كان البعض قد سارع إلى اتهام حركة النهضة بالمسئولية عن الجريمة. إلى غير ذلك من التداعيات التى نعرفها ونعيشها فى مصر. حيث تقوم عناصر المعارضة بنفس الدور، كما تتولى وسائل الإعلام مهمة الاصطياد والتحريض وتعميق الاحتقان والانقسام.

طوال الأشهر التى سبقت حادث الاغتيال ظل الموقف الاستراتيجى الذى تبنته قيادة حركة النهضة يتمثل فى الحرص على وحدة القوى الوطنية وتجنب الانقسام فى البلد. وكان ذلك ما دفع الشيخ راشد الغنوشى رئيس الحركة إلى التخلى عن فكرة النص على مرجعية الشريعة فى دستور تونس الجديد، والاكتفاء بما هو مستقر فى الدستور منذ الاستقلال بالنص على أن تونس بلد عربى دينه الإسلام. إلا أن عمليات التحريض السياسى المقترن بالتعبئة الإعلامية المضادة كان لها دورها فى تسميم الأجواء، وكان حادث الاغتيال فرصة لتصعيد الاشتباك من جانب المعارضة. وهو ما دفع رئيس الوزراء إلى الإعلان، دون الرجوع إلى حزبه، عن رغبته فى حل الحكومة المنتخبة، وتشكيل حكومة جديدة غير سياسية (من التكنوقراط). وكانت وجهة نظره فى ذلك أن الغيوم تلبدت فى تونس بسبب الخلافات والتجاذبات قد ملأت الفضاء التونسى. إضافة إلى ذلك، فإن بعض الفئات عبرت عن سخطها على الحكومة سواء لأنها لم تحل مشاكلها لسبب أو آخر، أو لأن جماهيرها رفعت سقف توقعاتها بأعلى من قدرات الحكومة.

أيا كان السبب فإن السيد حمادى الجبالى سعيا منه إلى تهدئة الأجواء السياسية وإرضاء للفئات الغاضبة أعلن موقفه وراهن على تغيير الحكومة، باعتبار تلك الخطوة أحد الحلول التى تسمح له بتجاوز الموقف المعقد الذى آلت إليه الأمور. وفى الوقت ذاته أعلن عن تشكيل لجنة حكماء من 16 شخصية عامة للتشاور معها فى حل الأزمة التى تمر بها تونس. الإعلان رحبت به قوى المعارضة وعارضه آخرون، لكن المعارضة الأهم جاءت من داخل حركة النهضة ذاتها التى ينتمى الرجل إليها، إذ اعتبرت أن الحكومة الحالية جاءت بها الانتخابات وتمثل الشرعية، فى حين أن حلها والاتيان بحكومة تكنوقراط مختارة يمثل انقلابا على الشرعية، وإزاء إصرار الجبالى على موقفه، ورفض حركة النهضة لمقترحه، فإن الرجل ذهب إلى رئيس الجمهورية وقدم له استقالته من منصبه. ولأن ذلك تم خلال الثمانى والأربعين ساعة الأخيرة، فليس معلوما بعد ما هى الخطوة التالية، وهل سيكلف الرجل بإعادة تشكيل الحكومة بعد التوصل إلى حل وسط معه، أم أن حركة النهضة صاحبة الأغلبية سترشح قياديا آخر من أعضائها ليحل مكانه.

أرجو أن تكون قد لاحظت الرسائل التى أشرت إليها فى البداية. من ترويكا الحكم، إلى المرونة فى كتابة الدستور لتجنب الانقسام بين القوى الوطنية، إلى مسارعة رئيس الوزراء إلى تغيير حكومة السياسيين واقتراح حكومة من التكنوقراط، إلى دعوته لجنة من حكماء البلد وخبرائه للبحث عن مخرج من الأزمة، إلى تقديمه مصلحة الوطن على مصلحة الجماعة، انتهاء باستقالته من منصبه حين لم يقبل اقتراحه.

لقد استعدت هذه القصة بتفاصيلها التى لها شبيهها فى مصر، وأنا أفكر فى وضع حكومة الدكتور هشام قنديل التى أصبح ضعفها وسوء الأوضاع فى ظل استمرارها محل إجماع وطنى. فضلا عن أن الرجل المشهود له بالإخلاص والخلق الرفيع كان قد حصر رهانه الأساسى على قرض صندوق النقد الدولى وما سوف يوفره من غطاء مالى من جهات أخرى يقدر بنحو 14 مليار دولار، إلا أن ذلك الأمل تبدد فى الوقت الراهن، الأمر الذى أوقعه فى حيرة حيث لم يجد ما يراهن عليه. ومع ذلك فهو لايزال باقيا فى منصبه، فى حين أنه لو اقتدى بالسيد حمادى الجبالى بعدما فشل رهانه، فإن ذلك سيكون أشرف له وأكرم، ذلك أنه سيخرج من الحكومة محتفظا بقامته. بدلا من خروجه مكسور الجناح ومستبعدا من حكومة ما بعد الانتخابات القادمة.

الخميس، 7 مارس 2013

أين السياسة؟

فهمي هويدي

أين السياسة؟



من يصدق أن الذين يتواجدون على الأرض فى مصر الآن هم البلطجية والألتراس، والشرطة والجيش، أما من عداهم فهم إما غائبون وإما يتحركون فى الفضاء وعلى شاشات التلفزيون.

لقد صرنا نقرأ فى الصحف كل صباح أن الشرطة فتحت ميدان التحرير إلا أن البلطجية ما لبثوا أن أغلقوه، وهو خبر يكاد يتكرر يوميا بما يعطى انطباعات بأن القوة الحقيقية المتحكمة فى الميدان باتت ممثلة فى البلطجية، الذين صار بمقدورهم أن يمنعوا الشرطة من الحفاظ على الميدان مفتوحا، وحين حدث فذلك فإن الفوضى دبت فى الشوارع المتفرعة عن الميدان، حتى تحولت إلى أسواق شعبية فرضت نفسها على الأرصفة واحتلت أجزاء من كل شارع، بحيث أصبحت حركة السيارات فيها متعذرة إلى حد كبير. واتسم ذلك الزحف على كل شوارع قلب القاهرة بجرأة مدهشة، حيث لم نعد نرى أثرا لشرطة المرور أو المرافق أو البلدية، وفى ظل ذلك الغياب لم يجرؤ أصحاب المحال الأصلية التى اصطفت على الجانبين على الاعتراض على أمثال تلك الغارات، بل بات كل واحد منهم مهددا هو ومتجره إذا أبدى ضيقا ازاء ما جرى، إذ ما أسهل أن يتعرض للاعتداء، وما أيسر أن يعود إلى متجره ذات صباح لكى يجده محطما ومنهوبا، ولن يجد الرجل من يحميه أو يعيد إليه حقه ويعوضه على ما فقده، وفى ظل غياب السلطة وجهاز الإدارة، فإن أصحاب المحال فضلا عن أصحاب العقارات والسكان، لم يعد أمامهم سوى الاعتصام بالصمت والقبول بكل التشوهات الحاصلة على الأرض، وهم صاغرون، ولا تخفى على أى أحد الرسالة التى يتلقاها هؤلاء حيث يرون الشرطة وهى تتراجع امام هجوم البلطجية، وحين يطالعون بأعينهم صورة سيارة الشرطة وهى تحترق، فى حين يهلل البلطجية حفاوة وفرحا لأنهم حققوا ذلك «الإنجاز».

يوم الاثنين الماضى 4/3، نشرت جريدة «الأهرام» على صفحتها الأولى خبرا تحت عنوان يقول: «الداخلية تعلن الانسحاب من ميدان التحرير»، وتحت العنوان ورد النص التالى: أعلنت وزارة الداخلية سحب جميع خدماتها المرورية من ميدان التحرير، بعد تعرض أفراد من هذه الخدمات لهجوم حاملى العصى والشوم والأسلحة البيضاء، الذين أغلقوا الميدان بعد أن كانت قوات الأمن قد نجحت فى فتحه أمام السيارات والمارة فى كل اتجاه ــ وهو كلام يصدمنا مرتين.

مرة بسبب الواقعة ذاتها، حيث لا يخطر على بال أحد أن يهاجم البلطجية الشرطة مستخدمين العصى والشوم والأسلحة البيضاء، فتنسحب الشرطة، فى حين يفترض أن تكون الشرطة هى المهاجمة للبلطجية فتلقى القبض عليهم أو ترغمهم على الانسحاب. والمرة الثانية حين يصبح ذلك خبرا عاديا يمر عليه القارئ مرور الكرام، ثم ينتقل إلى غيره لكى يتابع أخبار مباريات كرة القدم أو أسعار الخضراوات وبرامج التليفزيون.

الخبر أعلاه تضمن فقرات أخرى صادمة تقول إنه قبل أيام معدودة من النطق بالحكم فى مذبحة مباراة الأهلى والمصرى (التى قتل فيها أكثر من 70 شخصا من مشجعى الأهلى) حاصر مئات من «ألتراس» الأهلى مقر البنك المركزى فى «وجبة» سابقة حاصروا البورصة ودار القضاء العالى ومجمع التحرير، وقطعوا طريق المطار، مما أدى إلى تأخر مغادرة وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى للقاهرة بعد انتهاء زيارته لمصر، ثمة فقرة أخرى تحدثت عن «يوم دام» فى بورسعيد، حيث قامت مجموعة من المتظاهرين وألتراس المصرى باقتحام مبنى مجمع المحاكم واستمروا فى محاولة اقتحام مبنى مديرية الأمن، مما أدى إلى سقوط عشرات المصابين واحتراق عدة سيارات بينها واحدة للأمن المركزى. وقد أعرب هولاء عن احتجاجهم إزاء ترحيل المتهمين فى قضية مذبحة الاستاد من سجن بورسعيد إلى سجن آخر.

فيما سبق ــ وفى المنصورة والإسماعيلية ــ كان طرفا الحضور هما البلطجية والألتراس من ناحية وليس أمامهم سوى الشرطة والجيش من ناحية ثانية. وظل الغياب من نصيب السياسة، ممثلة فى أهل السلطة أو المعارضة، حيث بدا واضحا أن الأولين صامتون أما الأخيرون فقد كانوا محتفين وشامتين، على الأقل فذلك ما عبرت عنه الصحف وغيرها من المنابر الإعلامية المعبرة عنهم، إذا صح ذلك فهو يعنى أن الدعوة إلى عودة الجيش تصبح أقرب إلى الوقفة السياسية العبثية، فى حين عودة السياسة هى المطلب الحقيقى الذى ينبغى أن يلتف حوله الجميع، سواء كانوا فى السلطة أو المعارضة.

الاثنين، 4 مارس 2013

ماكينة البلبلة


ماكينة البلبلة


لا صوت يعلو فوق صوت التخريب والهدم والتحريض فى الإعلام المصرى هذه الأيام. فثمة سعى حثيث لتفجير العلاقة بين النظام القائم والجيش. إذ منذ عدة أسابيع والشائعات تتحدث عن تذمر وغضب فى أوساط القوات المسلحة، وهناك دعوات صريحة فى حوارات البرامج التليفزيونية إلى ضرورة تدخل الجيش لوقف التدهور الحاصل فى البلد. وقرأت تصريحا نشرته إحدى الصحف على رأس صفحتها الأولى قال فيه أحدهم صراحة إن هذا هو الوقت المناسب للقيام بانقلاب فى البلد، وخلال اليومين الماضيين تحدثت الشائعات عن إقالة وزير الدفاع وبعض قيادات القوات المسلحة، فتسابقت الصحف (المستقلة) فى التنديد بالخطوة التى لم تحدث، فمن قائل إن ذلك بمثابة انتحار للنظام، وقائل بأن الوزير السيسى يمثل خطا أحمر يتعين عدم المساس به، ومحذر من أن الإخوان يلعبون بالنار مع الجيش. وذهبت إحدى الصحف إلى اختراع تصريح لمصدر عسكرى مجهول نقلت على لسانه قوله إن الجيش لن يسمح بتكرار سيناريو طنطاوى وعنان (المقصود المشير طنطاوى والفريق سامى عنان اللذان أحالهما الرئيس محمد مرسى إلى التقاعد). ووسط هذه البلبلة قرأنا تصريحا للمتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة قال فيه إنهم لا يتعاملون مع الشائعات !

وإذ يفترض أن يحسم هذا التصريح المسألة، إلا أن ماكينة البلبلة لم تتوقف، والساعون إلى التحريض والتشويش لم يهدأوا،  آية ذلك مثلا أنه إلى جانب العبث بملف الجيش والسلطة، فهناك لعب آخر يمارس بخبث شديد فى مسألة العنف، فمن ناحية، لا نكاد نجد إدانة لممارسة العنف الذى يوجه ضد المرافق العامة ومؤسسات المجتمع، وإنما لا تخلو الصحف من حفاوة بمظاهره واعتبارها من تداعيات معارضة النظام، ومن قبيل ممارسة التظاهر المشروع الذى يكفله القانون، متجاهلين أن المشروع هو التظاهر السلمى الذى له نظامه وحدوده. وأن رشق المؤسسات العامة ومحاولة إحراق مقار الحكم، وتعطيل شبكة المترو أو قف العمل بمجمع التحرير الذى تقضى فيه معظم مصالح الخلق ذلك كله يخرج عن المشروعية، ويعد من الجرائم التى يعاقب عليها القانون فى كل الديمقراطيات المحترمة.

فى الوقت الذى تتم فيه رعاية ومباركة العنف الذى يمارس ضد مؤسسات الدولة والمجتمع، ثمة حفاوة مبالغ فيها من جانب أى طرف يتطرق للموضوع ناسبا نفسه إلى الساحة الإسلامية. وفى إطار تلك الحفاوة تفرد صفحات الصحف لأى شخص ملتح يهدد بالقتل أو يتوعد المخالفين بالاغتيال.

وقد طالعنا قبل أيام حوارا مطولا مع مجهول يدعى أبوحبيبة، لا يعرف له شكل أو وزن، قال إن وراءه كتائب تحمل اسم (مسلمون) ويتحدث عن تصفيات ينتوونها وقوائم سوداء ضم أسماء (المتأسلمين والخونة من العلمانيين والليبراليين). وهؤلاء سيتم اغتيالهم إذا سقطت الدولة. كما تحدث عن تجسس على (النصارى) وخططهم لتقسيم البلاد. ووسط الحوار صورة مكبرة لأشخاص ملثمين يرتدون ثيابا سوداء ويحملون رشاشات، يفترض أنهم عناصر تلك الكتائب. وإلى جوارها صورة للسيد أبوحبيبة وقد ظهر بدوره ملثما وأمامه مدفع عرف به نفسه. وبدلا من أن يعد الكلام بلاغا للنائب العام للتحقيق فى صحة الأقوال وهوية الأشخاص المسلحين والدعاوى التى يطلقونها، فإن الجريدة هللت للكلام واعتبرته (انفرادا).

ذلك واحد من عشرات النماذج الأخرى التى جرت فيها الحفاوة بدعوات العنف، وتقديم الذين يباشرونه بحسبانهم مناضلين ومخلِّصين. وقد تابعنا قبل حين مظاهرة التهليل التى قوبلت بها فرقة الملثمين الذين انتحلوا اسم (بلاك بلوك)، وكيف أن بعض البرامج التليفزيونية استضافت عناصرهم، رغم ما نسب إليهم من مظاهر للعنف، الأمر الذى يفترض أن يسوقهم أمام العدالة، لا أن يحولهم إلى ضيوف ونجوم فى التليفزيون.

الملف الثالث الذى يتجلى فيه خطاب التحريض والبلبلة يتمثل فى الدعوة الملحة إلى العصيان المدنى، التى قيل إنها لقيت استجابة فى بورسعيد، أغلب الظن بسبب الحكم بإعدام 21 شخصا من أبناء المدينة الذين أدينوا فى مذبحة ستاد المدينة. ورغم أن الدعوة فشلت فى الإسكندرية إلا أن الصحف الصباحية مازالت تدعو إليها، وتلح وتؤكد على أن ثلاث محافظات أخرى على (خط العصيان) هى كفر الشيخ والغربية والدقهلية.

ماكينة البلبلة مستمرة ولا أعرف إن كانت تلك مجرد مصادفات أم أن فيها شيئا مرتبا، لكن الذى أعرفه وألمسه أن أحدا من الذين يحركون تلك الأحداث ليس مشغولا ببناء أى شىء فى البلد، وأن ذلك كله يصب فى وعاء الثورة المضادة، شاء هؤلاء أم أبوا.


الأحد، 3 مارس 2013

اين الشرطة


أين الشرطة؟


الخبر المنشور كالتالى: اعتدى عشرات من الملثمين على فندق شبرد، حيث رشقوه بالحجارة وحطموا واجهته الزجاجية. فتجمع المئات من عمال الفندق وموظفيه عند المدخل للحيلولة دون اقتحام الملثمين أبوابه، واستخدموا فى ذلك العصى الخشبية والشوم. وقال رئيس جهاز أمن الفندق إنهم استطاعوا إلقاء القبض على خمسة أشخاص من الذين قاموا بالاعتداء على الفندق.

تلك كانت خلاصة ما نشرته صحيفة «الشروق» على الصفحة الأولى (الأربعاء 13/2). وهذا الكلام إذا صح فإنه يثير على الفور السؤال التالى: أين الشرطة؟ فهذا فندق مقابل لواحد من أكبر وأهم فنادق القاهرة، وقد تعرض للاعتداء والنهب قبل عشرة أيام، الأمر الذى يفترض أن يبعث برسالة إلى كل من يهمه الأمر خلاصتها أن فنادق الدرجة الأولى التى فى قلب العاصمة على الأقل أصبحت مستهدفة من جانب أفراد العصابات والبلطجية الذين يندسون فى أوساط المتظاهرين لتحقيق مآربهم. يفترض أيضا أن يكون جهاز الشرطة أول من تلقى الرسالة. ومن ثم أعد العدة لتأمين تلك الفنادق، ولكن حين نقرأ فى الصحيفة أن موظفى وعمال الفندق تجمعوا عند مدخله ومعهم العصى والشوم لمنع اقتحامه فإن التساؤل عن غياب الشرطة يصبح مشروعا وملحا. وإذا أضفنا إلى ذلك ما نلحظه من غياب لشرطة المرور فى القاهرة فإن ذلك يثير علامة استفهام أخرى تسمح لنا بأن ننصت بجدية إلى الشائعات التى تتحدث عن أن الأمر ليس مصادفة، كما أنه ليس راجعا إلى قلة إمكانيات ونقص فى السيارات والإمدادات. وذلك ينطبق بالدرجة الأولى على شرطة المرور، الذين ليسوا بحاجة إلى أسلحة وذخيرة أو سيارات أو مدرعات.

فى وقت سابق حين تم سحل المواطن حمادة صابر، وسارعت وزارة الداخلية إلى الاعتذار للرأى العام فى مصر عن الجريمة، فان طرفا آخر فى الداخلية ضغط على الرجل لكى يبرئ الشرطة ويتهم المتظاهرين بالمسئولية عما جرى له. وقد أثنيت على موقف الاعتذار فى حينه وقلت إن الجهد الذى بذله بعض ضباط الشرطة لدفع الرجال إلى اتهام المتظاهرين يعنى أن ثمة مدرستين فى الداخلية تتحدث كل منهما بلغة مختلفة عن الأخرى. وقصدت الإشارة إلى ذلك لكى أبين أن هناك مدرسة جديدة تريد أن تتصالح مع المجتمع فى حين أن المدرسة الأخرى تصر على الاستعلاء على المجتمع والاستمرار فى تحدِّيه.

لا يقف الأمر عند حد شبهة الإهمال أو التقاعس من جانب جهاز الشرطة، ولكننا لا نستطيع أن نتجاهل وقائع التعذيب التى لايزال يتعرض لها المواطنون والناشطون من جانب عناصرها، الأمر الذى يعنى استمرار ثقافة وأساليب مرحلة الطوارئ التى استمرت عقودا أطلقت يد الشرطة خلالها فى الاعتداء على كرامات الناس اطمئنانا إلى أن رجالها فوق القانون.

إننا إذا أردنا أن نتصارح أكثر، فلا مفر من الاعتراف بأن جهاز الشرطة بوجه أخص هو أحد أهم المتضررين من نجاح الثورة. ذلك أن النظام السابق كان يعتمد فى تأمينه على الشرطة بأكثر من اعتماده على الجيش. وخلال الثلاثين سنة التى استمر فيها نظام مبارك كانت وزارة الداخلية هى العصا التى تم بواسطتها القمع والتأديب والتزوير، حتى قيل أيضا إنه كان لها دورها فى ترتيب عملية توريث الحكم لابن الرئيس. بالتالى فحين يسقط النظام فقد كان طبيعيا ومفهوما ألا تستقبل العملية داخل وزارة الداخلية بأى ترحيب، ذلك أن تحولها من مؤسسة تخدم النظام ولا تخضع لرقابة أو قانون، إلى مؤسسة وطنية تخدم المجتمع وتخضع للقانون، أمر صعب للغاية. ليس فى مصر وحدها، ولكن فى كل بلد شهد تحولا من القمع إلى الديمقراطية. من إسبانيا إلى شيلى، مرورا بجنوب أفريقيا وإندونيسيا وجورجيا.

لقد تتابع على وزارة الداخلية خمسة وزراء خلال السنتين اللتين أعقبتا قيام الثورة (طوال ثلاثين سنة هى عمر عهد نظام مبارك ثم تعيين سبعة)، ولست أشك فى ان بعض الوزراء قد بذلوا جهدا فى محاولة إصلاح الجهاز. كما ظهرت خلال تلك الفترة مجموعات من الضباط الإصلاحيين الذين بذلوا جهودا موازية (الائتلاف العام لضباط الشرطة ــ وضباط لكن شرفاء) لكننا نلاحظ أن الإصلاح المنشود ظل محدودا وشكليا، الأمر الذى يعنى أن الأمر بحاجة إلى جهد أكبر وأعمق، لا تتصدى قيادات الشرطة وحدها لأن الخبرة المدنية والسياسية يمكن أن تضيف إليه وتثريه وبالمناسبة فإن للدكتور عمر عاشور الأستاذ بجامعة اكستر البريطانية والباحث بمركز بروكنجز الدوحة دراسة قيمة حول إصلاح القطاع الأمنى فى مصر، يمكن الاستفادة منها ومن مثيلاتها فى هذا الصدد.

طوال عهد مبارك كنا نخاف من الشرطة ونسأل أين الشعب، وقد حدث العكس بعد الثورة حيث انقلب الحال وأصبحت الشرطة تخاف من الناس، وأصبح أمثالنا يتساءلون قائلين: أين الشرطة؟

الأحد، 24 فبراير 2013

إضاءات مسكوت عليها ..... فهمي هويدي


          إضاءات مسكوت عليها

نشر فى : الإثنين 18 فبراير 2013 - 9:35 ص 

لأن الأخبار السارة شحيحة فى الوقت الراهن، فإن فوز باحث مصرى بجائزة دولية فى التنمية الذاتية يصبح خبرا يستحق الحفاوة. وإذا كان الفوز بحد ذاته شىء مهم، فإن الأهم منه هو موضوعه الذى يبدو أنه غير مدرج على جدول أعمال المرحلة فى مصر. الباحث هو الدكتور حامد الموصلى الأستاذ المتفرغ بهندسة عين شمس، ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتنمية الذاتية. وقد فاز بجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر (أبوظبى دورة 2013). وقيمتها نحو 400 ألف جنيه مصرى، قرر الرجل التبرع بها لصالح الجمعية التى تضم عددا من الخبراء المصريين الذين نذروا أنفسهم لرسالة النهوض بالمجتمعات الريفية.


المهمة التى أنجزتها الجمعية، والتى كانت سببا فى حصول الدكتور الموصلى على الجائزة، تتلخص فى أنها نجحت فى تنفيذ مشروع لنشر الصناعات الصغيرة القائمة على خامات النخيل، وقد تم اختيار قرية القايات، التى تعد واحدة من أفقر عشر قرى بمحافظة المنيا، لتكون المختبر الذى أقيمت فيه التجربة، التى تم تمويلها بمنحة قدمتها مؤسسة «مصر الخير».


نجح الدكتور حامد الموصلى والفريق العامل معه فى تصميم وتصنيع معدات متبكرة بواسطتها تم تحويل جريد النخيل إلى سدائب منتظمة القطع، وكذلك ألواح منتظمة السمك والعرض، الأمر الذى مكنهم من تصنيع ألواح «باركيه» وألواح «كونتر» تفى بمتطلبات المواصفات القياسية العالمية وتضاهى مثيلاتها المصنعة من الأخشاب المستوردة. ليس ذلك فحسب وإنما نجح خبراء المشروع فى استخدام مفروم الجريد فى صناعة المصبعات كوقود حيوى قابل للتصدير، وهذه المصبعات يمكن استخدامها للتدفئة فى المنازل بدلا من الفحم الحجرى، كما يمكن استخدامها فى تشغيل محطات القوى الكهربائية بدلا من الفحم والمازوت. وهذا المنتج يمكن فى حالة تصديره أن يحقق عائدا مجزيا بملايين الدولارات.


من مفروم الجريد نجحت تجارب صناعة أعلاف الدواجن، ومن خوص النخيل نجحت تجارب تصنيع «الكارينة» التى تستخدم فى التنجيد، الأمر الذى يفتح آفاقا واسعة للنهوض بالريف المصرى اعتمادا على موارده المحلية. وإذا علمنا أن فى مصر نحو 12 مليون نخلة (تركز فى الصعيد والواحات وشمال سيناء) فلك أن تتصور العائد الذى يمكن أن يتحقق من استثمار هذه الثروة وتوظيفها فى تنمية المجتمعات المحلية وانعاشها.


هذا الجهد يمثل سباحة ضد التيار السائد، الذى اعتادت رموزه أن تمد أبصارها إلى الشاطئ الآخر وتتلهف على الاستيراد من الخارج، دون النظر تحت الأقدام ومحاولة التفكير فى الإفادة من الخامات والخبرات المحلية. ومن الواضح أن مدرسة استدعاء الخارج لاتزال تمثل مركز قوة مؤثر وغلاب فى مصر. وحرص الحكومة على حل الأزمة الاقتصادية من خلال الاقتراض من المؤسسات الدولية شهادة تدل على أن السلطة تضرب المثل فى المضى فى ذلك الاتجاه. وليس غريبا والأمر كذلك أن تواجه جهود الدكتور الموصلى ورفاقه الذين تصدوا للدعوة إلى الانطلاق من التنمية الذاتية صعوبات جمة، من جانب الشرائح صاحبة المصلحة فى الاستيراد من الخارج، فضلا عن الحرب الشرسة التى فرضت عليهم من جانب البيروقراطية المتربصة بأى انجاز، التى شرعت أكثر من مرة فى تعويق المشروع وتشويهه وصولا إلى هدمه.


ما حققته جمعية التنمية الذاتية نموذج له نظائره المضيئة فى الواقع المصرى، التى تلمع فى أفق لا تكترث به سائل الإعلام، وللأسف فإن الذين يقدمون تلك النماذج لا يلقون حقهم فى التقدير من جانب الدولة أيضا (لاحظ أن تقدير جهود الدكتور الموصلى جاءت من خارج مصر)، ومازلت غير مصدق ما قيل من أن الدكتور محمد غنيم مؤسس مركز الكلى بالمنصورة لم يمنح جائزة الدولة التقديرية بسبب موقفه السياسى، رغم النموذج الباهر الذى قدمه هو وزملاؤه فى إقامة مركز طبى عالمى يعالج المواطنين بالمجان ويعتمد فى تمويله على مساندة المجتمع بالدرجة الأولى. وهناك مؤسسات طبية وتعليمية مماثلة، ومشروعات للتنمية الذاتية أقامها نفر من الوطنيين المخلصين الذين اختار بعضهم أن يظلوا جنودا مجهولين، ولكنهم جميعا يستحقون منا الحفاوة والتشجيع. إلا أننا لم نستطع أن نوفيهم حقهم، بسبب البيروقراطية التى لا تسمع ولا ترى، ولأن أغلب سائل الإعلام عندنا دأبت على أن تحتفى بالذين يشعلون الحرائق بأكثر من حفاوتها بالذين يحيون الآمال

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites