‏إظهار الرسائل ذات التسميات لميس جابر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لميس جابر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 25 مارس 2013

من عجائب الشعب المصري



بعيداً عن ثورة الاتصالات الكونية والفضائيات والموبايلات والفيس بوك وحتى التليفون الأرضى والصحف.. بعيداً عن كل وسائل التواصل بين المصريين وفى عام 1798 جاءت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون ورست السفن فى العجمى وسارت الحملة مترجلة إلى الإسكندرية ووقف نابليون عند عمود السوارى ناظراً إلى قلاع وأسوار المدينة، فوجدها مكللة بحشود من أهل الإسكندرية رجالا ونساء يحملون السلاح لمقاومة هذا المحتل الذى لا يعرفون عنه شيئاً سوى أنه جاء لبلادهم غاصباً.. وقامت المعركة وانتصرت مدافع الفرنسيين وقتلوا الكثيرين من أهل الإسكندرية وقتل منهم أيضاً الكثيرون.. ودخل الجنود إلى الجهات الآهلة بالسكان فوجدوا مقاومة شديدة فهاجموا الناس فى بيوتهم فقاوم أهل الإسكندرية من منازلهم بالرصاص.. وسار نابليون نفسه فى حارة صغيرة ومعه سكرتيره وإذا بسيل من الرصاص ينهمر فوقهم وكادت رصاصة تصيب نابليون نفسه ونظروا فوجدوا نافذة أعلى أحد المنازل يطلق منها الرصاص فتقدم الجنود وهاجموا المنزل فوجدوا رجلاً وزوجته يحملان البنادق وقتلوهما.

وبعد استقرار نابليون فى القاهرة ومحاولاته العديدة للتقرب من المصريين بحجة أنه جاء لتخليص مصر من المماليك القتلة اللصوص الذين ينهبون خيرات الشعب بالضرائب الباهظة والظلم والقسوة إلى آخره وما إن استتبت له الأمور حتى بدأ يفرض الضرائب بشكل فاق كل ما فعله المماليك حتى إنه قبض على نساء المماليك الهاربين وطلب منهم فدية مالية.. وعندما بدأ التذمر واجه الناس بالقتل والاعتقال وكان الأمر أن يقتلوا بعض الأفراد ويقطعوا رؤوسهم ويسيروا بها فى الشوارع لإشاعة الرعب والخوف واكتشف المصريون أن ما يقوله هذا المحتل كذب فى كذب وأنه جاء للاحتلال وسرعان ما لجأ الناس إلى الأزهر الشريف معقل العلماء وسادة المحروسة وبدأ علماء الأزهر يحثون الناس على الثورة العامة وانتشرت فى شوارع القاهرة من شارع إلى شارع ومن حارة إلى حارة وقتل الثوار جنرال «ديبوى» بعد أن حاصره الأهالى فى زقاق بالقرب من «بين القصرين» وقذفت النساء الطوب والحجارة من أعلى المنازل ولم يستطع الجند الفرنسيون إنقاذه.. واشتعلت الثورة واشتعل الجنود الفرنسيون وحشية وانطلقت الحشود إلى الجامع الأزهر وبلغت الأعداد داخله أكثر من خمسة عشر ألفاً، بعد أن نشروا المتاريس المانعة فى كل الشوارع المؤدية إليه ولم يكن هناك بد من استعمال المدافع وأمر نابليون بضرب الأزهر بالمدافع ولو اقتضى الأمر هدمه على رؤوس المصريين ودمرت المدافع كثيراً من بيوت الغورية والفحامين وكاد الأزهر يهدم وقتل من المصريين فى القاهرة حوالى الأربعة آلاف منهم الكثير من النساء ومن علماء الأزهر ثلاثة عشر عالماً ودخلوا إلى الأزهر بالخيول وربطوها فى الأعمدة وبجوار القبلة وكسروا القناديل وهشموا المكتبة ونهبوا بعض الودائع التى خبأها الناس خوفاً عليها وألقوا بالكتب والمصاحف على الأرض ونزعوا عن الطلاب الموجودين ملابسهم وقبضوا عليهم.. وبعد سلسلة من الفظائع خمدت الثورة.. وبعد شهور قليلة اندلعت مرة أخرى فى كل قرى ومدن مصر.. وكل بلدة لها قصة وبطولة وحتى أسوان فى أقصى الجنوب وكم فى تاريخ المصريين من أساطير حية لحب الوطن والتضحية السخية من أجله والتلاحم والاتفاق من قبل وسائل التواصل الحديثة بمئات السنين.. فعلاً شعب عجيب.

أشتاق إلى مصر


كنت دائماً أتعجب من قدرة بعض المصريين على الهجرة بعيداً عن الوطن، والبقاء فى وطن غريب، وسط مواطنين غرباء. وأتعجب من هذه القدرة على العيش بعيداً عن الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء، فأنا لا أستطيع أن أحيا يوماً بلا تاريخ ولا ذكريات فى منزل أو شارع أو مدرسة شاهدوا أعواماً من العمر.. ولا أتخيل أن أحمل فى بطاقتى كلمة جنسية غير مصرية.. لأننى بالفعل أكره الاغتراب كراهية الموت.. وعندما أسافر أصاب بالحنين إلى الوطن بعد ساعات، وأظل أعد الأيام فى انتظار العودة إلى أرض مصر ومن شدة مُغالاتى كنت لا أرى فى دول الخواجات أى انبهار بالتقدُّم والتحضُّر والنظام والنظافة والعلم والفنون.. وأكذب على نفسى وأُمنى عواطفى الضعيفة بأن مصر ستحصل على فرصتها وتصبح من أعظم دول العالم وأرقاها وأن المواطن المصرى لا ينقصه الذكاء ولا الموهبة، وما دام قادرا على النجاح فى الخارج فهو قادر بلا شك على إنجازه داخل وطنه.. وكنت.. وكنت.. وصارت كل هذه الآمال قبض الرياح وابتعدت بُعد الأرض عن السماء.. الآن أعيش كل أحاسيس الاغتراب وأنا على أرض مصر.. بل فى القاهرة.. بل وداخل منزلى.. صارت أحاسيس الغربة المفزعة داخل النفس.. أشتاق إلى مصر التى لا أراها الآن ولا أعيش فوق أرضها ولا أرى فى الوجوه الكثيرة ملامح المصريين الذين كنت أعرفهم.. لا يوجد شىء أشد قسوة من الاغتراب داخل الوطن، فالاغتراب بالخارج يغلفه الأمل بالعودة فى يوم من الأيام.. ولكن الاغتراب الآن هو والموت سواء.

أشتاق لشارع هادئ آمن أسير فيه وقت أن أشاء.. أشتاق لأيام تحمل بعض الآمال.. أشتاق لوجوه مُطلة بالفرحة والثقة فى المستقبل حتى فى سنوات الهزيمة، وحكام ورموز تنتمى لوطن أعرفه وأعشقه، حتى لو اختلفت معه.. أشتاق لذكريات الأيام البعيدة فى شارع شبرا عندما كانت تحف بجانبيه الأشجار وتتعدد فيه دور السينما.. أشتاق لرؤية مدرستى الابتدائية والإعدادية والثانوية وركوب التروماى ومقلة اللب ومحل العصير فى الطريق إلى المدرسة.. أشتاق للأتوبيس المزدحم فى طريقه إلى الجامعة.. وعربة البطاطا الساخنة فى أيام الشتاء الممطرة.. أشتاق لصورة الأصدقاء والصحبة والزملاء جيران المنزل والشارع.. كورنيش النيل ونسماته العليلة.. صوت أم كلثوم وهى تغرد «شمس الأصيل».. أشتاق لفرحة الأعياد والانطلاق إلى الحدائق والقناطر ومركب فى النيل.. أشتاق إلى التليفزيون القديم الأبيض والأسود بقنواته الثلاث فقط.. أشتاق لحوار مهذب راقٍ.. خلوق.. أشتاق لوجوه بشوشة هادئة مطمئنة.. إلى جريدة قديمة لا تحمل أخبار القتل والخطف والتعذيب والسحل والاغتصاب وقائمة الاغتيالات.. أشتاق لمشاهدة مسرحية ولسماع أغنية ولرؤية لوحة ولإلقاء قصيدة.. أشتاق لآثار مصر دون أن أرى حريقة فى معبد أو منازل شيدت فوق هرم قديم أو جموع من اللصوص تحفر كل شبر على امتداد النيل وتعبث بما فيه.. أشتاق لرؤية سائح فى شارع خان الخليلى.. أشتاق لشوارع نظيفة بلا قمامة.. وميادين جميلة بلا أحجار أو نيران أو حواجز أسمنتية مشوهة وقبيحة.. أشتاق لشباب لا تصيبه طلقات الخرطوش ولا تخترق رأسه طلقات قاتلة.. أشتاق لدعاة ينطقون بالتهذيب والاحترام.. وجوههم تحمل السكينة إلى النفس.. أشتاق ليوم بلا سواد وساعات قليلة تحمل بصيصاً من أمل قادم.. أشتاق لأخبار مفرحة.. أو حتى أخبار معتادة.. أشتاق إلى وطن قوى لا يسقط تحت أحذية الأمريكان واليهود والأقزام.. أشتاق لإحساس بلا قهر ليوم قادم يستحق أن نراه ونعيشه.. أشتاق لصباح يستحق جدوى اليقظة.. أشتاق لفرحة حقيقية لضحكة صادقة أشتاق إليكِ يا مصر من بين أحزان وطأة الانهيار والخوف والسقوط وأخشى ضياع ما تبقى من العمر قبل أن ألقاك..

الثلاثاء، 12 مارس 2013

وهكذا الطغاة على مر العصور


وهكذا الطغاة على مر العصور


منذ خمسمائة عام تقريباً، وفى عام 1517، كان الغزو العثمانى لمصر بقيادة السلطان سليم الأول والمعروف بأنه قاتل أخويه طمعاً فى السلطنة، وتمكن منهما ثم خلع والده السلطان بايزيد مهدداً إياه بالعسكر الإنكشارية.. ثم مات السلطان بايزيد مسموماً بعد أيام.. المهم خرج له السلطان المصرى قنصوه الغورى إلى الشام بجيشه، وتقابل الجيشان بالقرب من حلب، وكانت موقعة مرج دابق، وهُزم فيها الغورى بعد أن تغلب عليه سليم الأول بخيانة أمير حلب «خاير بك»، وعندما علم الغورى بالخيانة والهزيمة وقع من فوق جواده مشلولاً ولم يعرف أحد مصيره بعد ذلك.. تولى السلطان الأشرف طومان باى الحكم فى مصر، وجمع من جنود المماليك ما استطاع وقابل الجيش العثمانى فى الريدانية، وهى مكان صحراء العباسية وعين شمس، وقاتل هو وجنوده والعامة من المصريين ببسالة نادرة، وقتل الكثير من جنود العثمانيين، ولكنهم نجحوا فى هزيمته بالأسلحة النارية التى لم تكن لدى المصريين.

وكانوا يقطعون رؤوس الجنود المماليك ويسيرون بها فى الشوارع لإثارة الرعب، وقُتل من العامة الآلاف.. واستقر المقام بالسلطان سليم فى مصر بعد أن ظن موت السلطان طومان باى، وبدأ فى السيطرة بتقليد أعوانه المناصب العالية فى مصر ليتمكن منها، ولكنه فوجئ بعودة طومان باى مع جنود المماليك، وكانت معركة رهيبة قُتل فيها من العثمانيين الكثيرون، وسارت المعركة إلى بولاق والناصرية وزاوية عماد الدين مكان شارع عماد الدين الآن، وأخذ جنود سليم الأول يحرقون البيوت حول الزاوية، وقتلوا الآلاف من العامة من النساء والأطفال والشيوخ، وحوّل طومان باى المعركة إلى الصليبة والسيدة زينب والدرب الأحمر، وقاتل حتى وجد نفسه بمفرده فاختفى، فانقض عسكر السلطان على الصليبة وأحرقوا جميع البيوت التى حولها، وقتلوا العامة بأساليب فظيعة، وأفحشوا فى النهب، ودنسوا المساجد والأضرحة وجامع الأزهر وابن طولون، وانتشرت الجثث فى الطرقات، وكانت الكلاب تنهشها وتمزقها، والناس غير قادرين على دفن موتاهم لانتشار عسكر السلطان وقتلهم كل من يجدونه سائراً فى الطريق.. وعندما نادى سليم الأول بالكف عن القتال خرج الناس لدفن موتاهم، وكانوا لا يميزون بعضهم من بعض، وانتشر البكاء والعويل، وقامت المآتم فى البيوت، فكان الخطب عظيماً.

وصعد السلطان إلى القلعة، ونادى بالأمان للجنود وأمراء المماليك وأصحاب الوظائف، ورتب من أعوانه كشاف جامعى ضرائب على الغربية والشرقية والجهات القبلية واستولى على أملاك المماليك من الأراضى والأوقاف. وعندما علم بقدوم طومان باى للمرة الثالثة جمع الأمراء المماليك الذين أعطاهم الأمان وضرب أعناقهم وساروا برؤوسهم فى الشوارع، وألقى بجثثهم للكلاب، وكانت نساؤهم تدفع الرشاوى للحراس لأخذ الجثث ودفنها.. وكانت المعركة، وكاد طومان باى يتمكن من السلطان سليم، ولكن هُزم بسبب قلة جنوده وقلة السلاح.. وهرب لصديق له أعرابى واستحلفه على المصحف بعدم الخيانة، وأقسم الشيخ حسن ابن مرعى وسلمه فى الصباح للسلطان الذى استقبله بود شديد وأبقاه معه سبعة عشر يوماً يسأله عن شئون البلاد وإدارتها من الرى والجبايات والخراج (الميزانية) وباقى الأمور وخاصة سياسة أهل مصر وطباعهم.. ودعاه للذهاب إلى القاهرة وهو لا يعلم إلى أين حتى رأى المشنقة معلقة على باب زويلة.. وولى السلطان «خاير بك» على مصر وكان يناديه «خاين بك» ونقل إلى القسطنطينية كل النفائس والذخائر الموجودة فى ديوان القلعة ومنازل الأمراء المماليك وكل ما فى المساجد والزوايا والكتب العلمية حتى أعمدة الرخام، ونفى معه من مصر كل أبناء السلاطين المماليك والجنود الباقين والعلماء والقضاة والكتبة من القبط وكل رؤساء الصناعات المشهورين من كل الطوائف من الصناع المهرة والمهندسين والبنائين والنجارين والحدادين وصناع الزجاج والرخام، فكانوا ألفاً من الصناع، وخسرت مصر أكثر من خمسين صناعة من الصناعات اليدوية المميزة.. وقبل أن يغادر مصر قسم السلطة إلى ثلاث حتى تظل البلاد فى حالة من النزاع ولا يستطيع أحد أن يستولى عليها. وقال المؤرخون: لم يلتفت إلى تحسين أحوال الرعية ولا نظر فى رفع الأضرار عن أهل البلاد ولا خفف عنهم شيئاً من آثار الحروب المتوالية والخطوب المتراكمة وكان هذا كله من أكبر الأسباب التى آلت بهذا النظام إلى الزوال والذبول على مر الأيام. خلصت الحدوتة.. وهكذا يفعل كل الطغاة على مر العصور، ولكن الفرق بين السلطان سليم الأول والسلطان أوباما الأول أن العثمانيين كانوا صادقين. هم غزاة وفاتحون وقتلة ولم يقولوا غير ذلك.. أما سلاطين هذه الأيام فهم يغلفون العدوان والنهب والسرقة لثروات الشعوب بشعارات الإصلاح والديمقراطية والتحول وحقوق الإنسان، ولكنهم يستعملون نفس العناصر من الإنكشارية الحديثة ماركة الألفية الثانية فى السوق الكبيرة المعروفة بالربيع العربى.

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites