‏إظهار الرسائل ذات التسميات بلال فضل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بلال فضل. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 26 مارس 2013

مريم ووهم الزمن السعيد!



مع أنها رواية تحكي وجع العراق، إلا أن وجع مصر لن يفارقك لحظة وأنت تقرأها، ليُجَدِّدَ حزنكُ على العراق خوفكَ على مصر، وأملك في ألا نواصل السير بها بفعل عنادنا ومكابرتنا وإدماننا للكراهية نحو مصير أسود حزين شهده العراقيون عندما فقدوا قدرتهم على التعايش، وظنوا أن الإستبداد وحده يمكن أن يحميهم من التطرف إلى الأبد. 

في رواية الروائي العراقي سنان أنطون البارعة والحزينة (يا مريم) الصادرة عن منشورات الجمل والمرشحة لجائزة البوكر العربية 2013، نرى يوسف بطل الرواية المسيحي العراقي الذي عاش عمره في خدمة نخيل العراق وهو يجد نفسه مواجها بسؤال مرير «كيف أصبح نخيل العراق كلما هززت جذوع أشجاره لا يُساقط على كل مريمٍ عراقيةٍ إلا موتاً سخيّاً؟»، لكن التعقيدات الكابوسية التي يشهدها الواقع العراقي في عام 2010 الذي تدور الرواية فيه لا تقدم له إلا المزيد من الأسئلة، لذلك يجد يوسف نفسه متهما بالعيش في الماضي للهروب من مرارة الواقع، الإتهام توجهه له قريبته الشابة مها التي تعرضت للإجهاض بسبب حادثة تفجير سيارة مفخخة تستهدف حيا سكنيا تقطنه أغلبية مسيحية، مما اضطرها وزوجها إلى المجيئ للإقامة مع يوسف في بيت العائلة الذي أصبح خاويا إلا منه، وهنا يلجأ سنان أنطون إلى الإجابة على أسئلة بطله من خلال حيلة فنية بارعة، حين يجعل يوسف يُقَلِّب في صوره العائلية القديمة، فيحكي لنا من خلالها التحولات الإجتماعية التي شهدها العراق، وندرك حجم الجريمة المروعة التي أحدثها الإستبداد بالنسيج الإجتماعي العراقي، حيث كان يصور للناس أنه يحميهم بقبضته البوليسية من الطائفية والمذهبية، لكنه كان في واقع الأمر يدمر حصانة المجتمع وقدرته على المقاومة، لتظهر عليه علامات التفكك والتناحر بصورة مفزعة السرعة فور إنهيار قبضة الدولة البوليسية. 

ستجعلك هذه الرواية تتأمل طويلا في واقع الشعوب التي تفشل في مواجهة تحديات الحاضر، فتفضل إراحة دماغها من عناء صنع المستقبل، وتختار الهروب إلى الماضي وأوهام الزمن الجميل الذي كان، كذلك فعلت مها بطلة الرواية وهي تحاول البحث عن مخرج من العراق، سواءا بالهجرة إلى بلاد أوروبية تعيش فيها إنسانيتها، أو حتى بالهجرة النفسية إلى أزمان ماضية كان العراق فيها أجمل، لكنها تواجه نفسها في نهاية المطاف بالحقيقة المرة: «على الفيسبوك عثرتُ أيضا على مجموعة العراق الجميل التي يتبادل أعضاؤها صور العراق وأغانيه في مايسمونه زمان الخير. كانت الصور جميلة ونادرة، تذكرني تعليقات الأعضاء تحت كل صورة جديدة توضع على جدار المجموعة بكلام يوسف عن الماضي ووقوفه على أطلاله، ذلك الماضي الذي كان كل شيئ فيه جميلا لا تشوبه شائبة، لكن الغريب أن الماضي عند هؤلاء لم يكن ينتهي أو يبدأ عند النقطة نفسها، فمنهم من يعتبر أن قدوم البعثيين في 1963 والوحشية التي قُتل بها عبد الكريم قاسم كانت نهاية الزمن السعيد، ومنهم من يعتبر صعود صدام في 1979 بداية النهاية، وهناك من يَمُدُّ بِساطَ الزمن السعيد إلى 1991 لأن الحصار هو بداية نهاية العراق، وهناك آخرون ينتهي عندهم الزمن في 2003، والغالبية منهم يَحِنُّون إلى زمن الملكية وينشرون صور العائلة المالكة معتبرين الإنقلاب العسكري والوحشية التي قتلت بها العائلة المالكة بداية الشر والسقوط في الهاوية، وأتساءل في سري كلما قرأت تحسراتهم على زمن الملكية: ألم يُذبح الآشوريون في ذاك العهد الملكي السعيد؟، ألم يتم تهجير اليهود العراقيين وطردهم من بيوتهم وبلدهم الذي عاشوا فيه بين ليلة وضحاها؟، ألم يكن الفقر مستشريا؟، والعهود التي تلته ألم تكن مليئة بالمذابح والمقابر الجماعية للأكراد والشيعة؟. تختلط البدايات والنهايات. كل يبكي على عراقه السعيد، لكنني كنت أشعر وأنا أنظر إلى كل تلك الصور والتعليقات التي تصاحبها بأنني لا أمتلك زمنا سعيدا أحن إليه. زمني السعيد لم يكن قد وُلِد بعد. ربما أكون سعيدة هناك، بعيدا عن العراق، بعيدا عن الموت والمفخخات وكل هذا الحقد الذي صار يسري في الشرايين. سنترك البلد لهم ليحرقوه ويُمثِّلوا بجُثته وسيذرفون دموعهم عليه بعد فوات الأوان الذي فات».

في إحدى جلسات يوسف الحميمة مع صديق عمره الشيعي سعدون الذي يشاركه في عشق شاعر العراق الأعظم محمود مهدي الجواهري يتجدد بينهما السؤال الموجع «والله ما أدري يعني كانت كل ها الطائفية موجودة وإحنا ما حاسين بيها؟»، فيُشَرِّقان في الأحزان ويُغَرِّبان، قبل أن يحكي يوسف لسعدون نكتة سمعها من زوج قريبته عن «ثلاثة عراقيين سني وشيعي ومسيحي وقع بأيديهم مصباح علاء الدين، دعكوه فطلع لهم الجني ليسأل الشيعي «إيش تريد؟»، فطلب منه الشيعي أن يمحو السنة «ما تبقّي ولا واحد»، فقال له الجني «صار تتدلّل»، ثم طلب من السني أمنيته التي كانت «أقتل الشيعة كلهم لا تبقي ولا واحد منهم يتنفّس»، رد الجني «صار تتدلّل» ليسأل بعدها المسيحي عن أمنيته، فيفكر المسيحي قليلا ثم يقول له «طيب نفّذ طلبات الجماعة الأول وبعدين تعال عليّ»، يتبادل الإثنان الضحك المرير، ثم يروي سعدون لصديقه يوسف أبياتا ساخرة قالها قديما الجواهري عن موضوع الطائفية «أي طَرطَرا تطَرطَري.. تقدّمي تأخّري.. تشيّعني تسنّني، تهوّدي تنصّري، تكرّدي تعرّبي»، فيرد يوسف مندهشا «هاي قالها من زمان؟ هذا معناه الطائفية صدق موجودة من زمان»، فيرد سعدون «لا يوباه دايما كان أكو سُنّة وشيعة ومسيح وإسلام، بس ما كان قتل وسحل وميليشيات ومفخخات»، فلم يجد يوسف ما يرد به سوى أن يقول «الله كريم» قبل أن يضيف «ظل إيقاع الأبيات يرن في أذني وأنا أمشي بعد أن ودعته: أي طرطرا تطرطري».

رحم الله الجواهري، وحفظ مصر والعراق، وكفانا وإياكم شر الطرطرة الطائفية التي تبدأ بالكلمات وتنتهي دائما بطرطشة الدماء.

الثلاثاء، 12 مارس 2013

إبتسامة الغريب


إبتسامة الغريب

لماذا تبتسم ياصديقي؟.

هل تبتسم لأنك رأيت الجنة؟. هل تبتسم لأن الملائكة قالت لك البشارة قبل أن تصعد روحك إلى جوار عرش الرحمن؟، هل تبتسم لأنك قبل أن تموت رأيت مصر وهي تُبعَث من جديد؟.

لماذا تبتسم ياصديقي؟، لعلك قبل أن يخترق الرصاص جسدك تذكرت نكتة قالها لك الحلاق الذي صنع لك هذه السكسوكة اللطيفة عندما ذهبت إليه ربما يوم الأربعاء 26 يناير، لماذا ذهبت إليه أصلا، هل كان هناك مشروع خطوبة أو مشروع خروجة؟، ما الذي جعلك تبتسم؟، هل كنت تهتف «تغيير.. حرية.. عدالة إجتماعية» وعندها تذكرت مفردات مرتبك الذي يفترض أن تعيش به عيشة آدمية كريمة؟، أم لعلك عندما استقرت بداخلك الرصاصة عرفت أنهم سينشرون صورتك في الصحف لكي يتعرف أهلك عليك دون أن يدركوا أن أهلك لا يمكن أن يشتروا صحفا لا تخصهم ولا تتحدث عنهم ولا تعنيهم في شيئ، أم أنك تذكرت خطبة لمبارك وهو يقول أن محدودي الدخل في قلبه وعقله، هل تذكرت أحلامك التي كانت تثير سخرية أصدقاءك على القهوة، أم لعلك تذكرت وجه حبيبتك التي حال بينك وبينها الفقر، تسألني: كيف عرفت أنك فقير؟، لو لم تكن فقيرا لما دفنوك غريبا وحيدا ياصديقي، لو لم تكن فقيرا لما إبتسمت وأنت ترى الرصاصة قادمة نحوك.

 لماذا خرجت إلى الشارع يومها ياصديقي؟، مم كنت تشكو؟، لو كان نزولك إلى الشارع صدفة فلماذا لم تبتعد عن المظاهرة إيثارا للسلامة؟، لو كنت غير معني بكل ماحدث فلماذا لم تختبئ طلبا للأمان؟، لماذا لم تقل لنفسك «وأنا مالي.. إياكش تولع.. ربنا يولي من يصلح.. مش هنلاقي أحسن منه.. ده ريسنا وأبونا وراجل كبير»؟، لماذا لم تخف على نفسك ياصديقي؟، وهل وجدت فرصة لكي تنطق بالشهادتين، أم أن آخر كلمة خرجت من فمك كانت «»سلمية.. سلمية»؟، أي الهتافات كان أحب إليك، أيها كان معبرا عنك أكثر؟، وهل كانت تلك مظاهرتك الأولى والأخيرة؟. لماذا أنت صامت ياصديقي؟، أجبني، لماذا قتلوك؟، وأين قتلوك؟، ومن الذي قتلك؟، هل قتلك الذي أطلق الرصاص عليك، أم الذي أمره بإطلاق الرصاص عليك؟. هل تبتسم تلك الإبتسامة الساخرة لأنك تصورت أن كل هذه الأسئلة لن يسألها أحد في وطن يُنسى فيه كل شيئ بعد حين؟، هل تبتسم ساخرا لأنك تدرك أننا قد ننساك مثلما نسينا شهداء ستة وخمسين وسبعة وستين وبحر البقر ومصنع أبو زعبل وتلاته وسبعين؟، هل تبتسم لأنك رأيت وجوه الجنود المجهولين وهي تلوح لك وتقول لك تعال إلى حيث النسيان، تعال إلى حيث النكران، تعال إلى حيث مرارة الحياة التي تجعل الشهيد يضحي بدمه لكي يأخذ الأحياء أجازة في ذكرى رحيله، تعال إلى حيث تُسدل ستائر النسيان على أبشع الجرائم بإسم المصالحة والإستقرار والمصلحة العليا، تعال إلى حيث ينسى الصامتون والمتواطئون تلك المقولة الخالدة «إفعل ماشئت كما تدين تُدان».  

لا ياصديقي، إطمئن، أنا لن أنساك ياصديقي، أنا وكل الذين خرجوا إلى الشوارع من أجل حريتهم وكرامتهم ومستقبل بلادهم، لن ننساك لأننا سنرى في وجهك المشرق مصيرا كان ينتظرنا ومستقبلا صنعته لأبنائنا، سنقاوم كل محاولة لمحو إبتسامتك الجميلة من ذاكرة الأجيال القادمة، لن نسمح بأن تذهب تضحياتكم هدرا ولن نترك قاتليك يفلتون من العقاب، ولن نسمح بأن تعود مصر عزبة لأحد أيا كان، لن نسكت على الجهل والنفاق ومسخ الذاكرة وإلباس الحق بالباطل، سنحارب من أجل أن تكون مصر بلدا لكل المصريين لا يفرق بينهم دين ولا مال ولا نسب ولا حسب ولا طائفة، سنعيد إليها مجدها الذي تستحقه، سنبنيها من جديد ولكن على نضافة. وحتى يتحقق كل ذلك  ياصديقي، ومهما رأيت من أحوالنا في القريب العاجل أو البعيد الآجل، أرجوك لا تجعل تلك الإبتسامة تغادر وجهك أبدا، ففي إشراقها وحده سنجد الخلاص، وبفضل سخريتها سنتذكر أن الثائر الحق لا يهدأ أبدا حتى وهو يبني الأمجاد.

الأربعاء، 27 فبراير 2013

دنيا غير الدنيا!


دنيا غير الدنيا!


في الوقت الذي كان المشروع الإسلامي يشهد خناقة على لم الأجرة بين السائق الإخواني والتبّاع السلفي، كان ثمة أناس في دنيا الله الواسعة ينشغلون بأشياء أكثر أهمية تمثل جوهر المشروع الإسلامي الحقيقي الذي تعبر عنه الأسئلة القرآنية التي لا تجد أبدا صداها لدينا «أفلا تتفكرون؟ ـ أفلا تعقلون؟ ـ أفلا تتدبرون ـ أفلا تبصرون؟».

وفي نفس الوقت الذي اختار مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر المستنير أن يغض الطرف عن كل وقائع التعذيب التي اهتزت لهولها البلاد ويكتفي بتحقيق إنتصار تاريخي بإحالة الدكتور يوسف زيدان إلى نيابة أمن الدولة العليا بسبب كتابه «اللاهوت العربي» الذي صدر منذ ثلاث سنوات بدعوى أنه سيسبب فتنة دينية عظيمة، كانت الصحافة الغربية مشغولة بتناقل أخبار عن تواصل تحقيق إنجازات مذهلة في علم الهندسة الوراثية في عدد من المراكز البحثية قد تمكن العلم قريبا من بناء بشر مقاومين للفيروسات، بل وربما مكنتهم من إعادة سلالات بشرية بائدة إلى الحياة مثل سلالة إنسان نياندرتال الذي تقول الأبحاث أنه انقرض قبل حوالي 24 ألف سنة مضت بعد أن عاش لآلاف السنين في أوروبا وآسيا الغربية، وكان معدل حجم مخه أكبر من معدل حجم المخ للإنسان الحالي بنسبة عشرة في المائة تقريبا، ومع ذلك فقد انقرض، مع أنه لم ير ربع الغُلب الذي نعيشه، والذي ربما كان سبب تآكل مخنا. 

في مدونته الرائعة «قراءات» يترجم الشاعر أحمد شافعي حوارا مهما نشرته مجلة دير شبيجل الألمانية مع جورج تشيرش خبير علم الأحياء التركيبي في جامعة هارفارد والذي ساهم في إطلاق مشروع الجينوم البشري خلال ثمانينات القرن الماضي، وذلك بعد إصداره كتابا بعنوان (التكوين الثاني: كيف سيعيد علم الأحياء التركيبي إختراعنا نحن والطبيعة؟)، يطرح فيه إمكانية صنع بشر قادرين على مقاومة الجراثيم. تسأله المجلة «أنت تنبأت بأنه سوف يتسنى في القريب استنساخ إنسان نياندرتال، ماذا تعني بالقريب، هل ستشهد ذلك في حياتك؟»، فيجيب «هذا يعتمد على جحيم من الأمور لا أول لها ولا آخر، ولكنني أعتقد أن هذا سوف يحدث. والذي يجعلني أعتقد بإمكانية ذلك هو أن هناك حفنة من التقنيات التي تتطور بسرعة لم تكن قائمة من قبل. قراءة الحمض النووي على وجه الخصوص أصبحت الآن أسرع بمليون مرة مما كانت عليه قبل ثماني سنوات. وهناك تقنية أخرى سوف تلزم لإبطال انقراض نياندرتال وهي الاستنساخ البشري. نحن قادرون على استنساخ جميع أنواع الثدييات، فمحتمل جدا أن نستطيع استنساخ إنسان. إذ ما الذي يجعلنا غير قادرين على هذا؟». تسأله المجلة «لكن هذا ممنوع؟»، فيرد بثقة شديدة «قد يكون الأمر  كذلك في ألمانيا، لكنه ليس ممنوعا في كل العالم، وعلى فكرة، القوانين يمكن أن تتغير».

تسأله المجلة عن فائدة ذلك الإستنساخ لعالمنا، فيقول «سلالة نياندرتال قد تفكر بطريقة مختلفة عن التي نفكر بها الآن. نحن نعرف أن جماجمها أكبر. ولعلها تكون أذكى منا أيضا. وحينما يحين الوقت الذي يتحتم فيه التعامل مع وباء أو خروج جماعي من الكوكب أو ما شاكل ذلك، فمن المحتمل أن تكون لطريقتها في التفكير فائدة».  تسأله المجلة «ألن يكون أمرا إشكاليا من وجهة النظر الأخلاقية أن يتم خلق نياندرتال من أجل الفضول العلمي وحده؟»، فيرد قائلا» قد يكون الفضول جزءا من الأمر، ولكنه ليس القوة الدافعة الرئيسية. الهدف الرئيسي هو زيادة التنوع. الشيء الخطر على المجتمع هو نقص التنوع. هذا يصدق على الثقافة مثلما يصدق على التطور، وعلى السلالات مثلما على المجتمعات. لو أن الثقافة تحولت إلى ثقافة أحادية، لأصبح خطر الهلاك محدقا. وعليه فإن إعادة خلق نياندرتال سوف تكون في المقام الأكبر مسألة حماية مجتمعية». ثم ينطلق البروفيسور الأمريكي في حديث طويل وشيق عن المجالات المتعددة التي يمكن أن يتم فيها إستخدام الهندسة الجينية في الصناعة والزراعة وعلاج الأمراض المستعصية وأخيرا في مساعدة الإنسان على أن يعيش حتى يبلغ المائة والعشرين عاما بتحسين جيناته الوقائية، كاشفا عن القيام في هذا الصدد بجمع الحمض النووي من عشرين شخصا حتى الآن من بين ستين شخصا تجاوزت أعمارهم 110 عاما يعيشون الآن في عالمنا الذي يقصف العمر. 

تسأله المجلة: ألا تخشى أن يتهمك الناس بأنك تلعب دور الإله، فيرد « أنا بالتأكيد أحترم عقائد الآخرين. ولكن الدين بصفة عامة لا يريد الناس أن يموتوا من الجوع. واليوم لدينا سبعة بلايين إنسان يعيشون على هذا الكوكب. ولو أن جزءا من حل مشكلة التغذية لكل هذا العدد هو أن تجعل محاصيلهم مقاومة للفيروسات فعلينا إذن أن نتساءل: هل في الإنجيل ما يمنع السعي إلى خلق محاصيل مقاومة للفيروسات؟»، يرد المحرر»لكن الإنسان المقاوم للفيروسات شيئ مختلف تماما»، فيجيب «لماذا؟ نحن في التكنولوجيا لا نقفز. إنما هو زحف بطيء. ونحن لن نصنع إنسانا مقاوما للفيروسات قبل أن نصنع بقرة مقاومة للفيروسات. ولا أفهم لماذا يمكن أن يتأذى أحد من هذه التكنولوجيا الجديدة».

تسأله المجلة «مستر تشيرش، هل تؤمن بالرب؟،»فيجيب «سأكون أعمى لو لم أر ذلك الإيمان بأن مخططا كليا هو الذي نتج عنه وجودنا حيث نحن اليوم. الإيمان قوة هائلة في تاريخ الإنسانية. وعليه فإنني أحترم أنواع الإيمان المختلفة. مثلما أعتقد بأن التنوع أمر شديد الأهمية من الناحية الجينية، ومن الناحية الاجتماعية أيضا». وهي إجابة أتمنى أن تكون كافية لكي لا يفكر مجمع البحوث الإسلامية في تقديم بلاغ ضد البروفيسور إلى نيابة أمن الدولة العليا لأنه والعياذ بالله يسعى إلى زيادة التنوع.

ماذا أقول بعد كل هذا، غير أن الدنيا في وادٍ، وبعضنا يريد لنا أن نعيش، ليس حتى في وادٍ آخر، بل أن نعيش في سرداب، وياليته كان سردابا أفقيا يمكن أن يوصلنا إلى مكان ما، بل هو للأسف سرداب رأسي نواصل حفر قاعه بإستمتاع شديد، ولا خلاص لنا إلا  بهجر هذا السرداب إلى الأبد لكي نعيش في وادي العلم الذي يعيش فيه الأوادم من خلق الله.

 أفلا تعقلون.  

الاثنين، 25 فبراير 2013

رحلة مع الظلم!


رحلة مع الظلم!

عندما صدرت قبل أشهر تعيينات مجلس الشورى الإخواني لرؤساء مجالس إدارة وتحرير الصحف القومية، أسرف البعض في تصويرها كمؤامرة تستهدف الإجهاز على الصحف القومية بترك أمرها لمحدودي الكفاءة، ليسهل على الإخوان بيعها، ثم أثبتت الأيام أنه لا يمكن أن يكون هناك متآمر أهبل إلى حد أن يدمر شيئا يرغب في بيعه، وأن تلك التعيينات لم تكن سوى دلالة مبكرة على إنعدام كفاءة الإخوان ومحدودية خيالهم وعدم رغبتهم في التعاون مع أي صاحب كفاءة يختلف معهم، حتى وإن كان من الذين تعرضوا للظلم في عهد مبارك الذي يعيدون إستنساخ أبرز جرائمه، جريمة تفضيل الدلاديل على أصحاب الكفاءات، ولعل قصة الكاتبة الكبيرة ماجدة الجندي مع مؤسسة الأهرام تصلح لأن تكون دليلا دامغا على هذه الحقيقة المؤسفة.

 الذين يحبون الكتب يحبون ماجدة الجندي، لأنهم بالتأكيد يتذكرون فضلها في إنشاء صفحة (غذاء العقول) التي قدمتها منذ عام 1999، وكانت حدثا ثقافيا ينتظره محبو الكتب كل أربعاء، ليتعرفوا على أهم الكتب الصادرة في مصر والعالم العربي بل وفي العالم كله، لكن نجاح الصفحة لم يجلب لماجدة الإحتفاء والتقدير، خاصة مع نجاحها أيضا في تولي مسئولية مجلة الأطفال الأهرامية (علاء الدين) التي استعانت فيها بعدد من أجمل الفنانين والكتاب، فقد جلب لها ذلك العداوة والبغضاء كشأن أغلب الناجحين في بلادنا، خصوصا مع تولي الصحفي الخارق أسامة سرايا لرئاسة تحرير الأهرام الذي كان دائم السخرية من الصفحة «بتاعة السكافة والمسكفين» على حد تعبيره، وجاءت الفرصة سانحة للتخلص من ماجدة الجندي بعد أن ظهرت في برنامج (العاشرة مساءا) مع الأستاذة منى الشاذلي في أكتوبر 2009، في حلقة كانت تناقش أداء حكومة أحمد نظيف التي تفخر بكونها حكومة ذكية إلكترونية ومع ذلك تعجز عن حل مشكلة الزبالة، لتقول ماجدة الجندي ليلتها أن ما يحدث من عجز حكومي في التعامل مع القضايا اليومية يدل على إنفصال سائق القطار عن سائر العربات، ولم يكن فيما قالته شيئ يفوق ما ينشر في صحف المعارضة ويقال في برامج التوك شو، لكنه استخدم من قبل خصومها في الأهرام للإطاحة بها بشكل رخيص لو رأيته في مسلسل تلفزيوني هابط لشتمت كاتبه لإنعدام خياله وعدم قدرته على الإبتكار الدرامي.

كانت ماجدة الجندي قد سافرت لتغطية معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، وبعد عودتها فوجئت بأن مساعدتها في تحرير الصفحة لا ترد على تليفوناتها، وظنت أن هناك مشكلة ما، لكنها لم تتصور أن سبب الرد سيكون ما أخبره بها مدير تحرير الأهرام عن صدور قرار الإطاحة بها من الصفحة وتعيين مساعدتها بدلا منها، حاولت أن تفهم أسباب القرار، لكن كل ماسمعته بشكل غير رسمي هو أنه لا يعقل أن تقوم بشتم الرئيس وتصفه بأنه منفصل عن الشعب ينما كان المفروض أن تحفظ جميل تعيينها كرئيسة تحرير ومسئولة عن صفحة أسبوعية، وفي ظل هذه الأجواء الحزينة وصلت المأساة إلى ذروتها، عندما اكتشفت بعد 48 ساعة من قرار إبعادها المهين في تفاصيله، أنها مصابة بورم سرطاني ضخم يهدد حياتها. وعندما تمكن زوجها الأديب الكبير جمال الغيطاني من إستصدار قرار حكومي بتيسير إجراءات أول مرحلتين من علاجها في الخارج على نفقة الدولة، أخذ الذين كانوا يهاجمونها لأنها قامت بشتيمة الريس، يستغلون الموقف لإمتداح الرئيس صاحب القلب الكبير الذي سهّل إجراءات علاجها برغم نقدها له، كأنه كان ينفق على علاجها من جيبه، ووجدت نفسها مجبرة ليس فقط على تحمل آلام المرض، بل وتحمل مرارة المزايدات والتشنيعات والضرب تحت الحزام من بعض الأصدقاء كأنها ارتكبت جريمة بقبول العلاج على نفقة الدولة. ثم زاد المرار طفحا فور أن سافرت إلى الولايات المتحدة للعلاج، حيث بدأت محاولات عزلها من رئاسة تحرير (علاء الدين) وبدأ ذلك بإزاحة مدير تحرير المجلة الفنان أحمد اللباد الذي كانت قد أوكلت إليه مسئولية إدارة المجلة في غيابها، ولا أظن أن محبا للكتب والثقافة يجهل قدر أحمد اللباد وإبداعه المدهش، ومع ذلك فقد وافق رئيس مجلس الإدارة منظر مشروع التوريث عبد المنعم سعيد على الإطاحة باللباد وتولية زوجة مدير مطابع الأهرام مكانه، لتظهر على الفور في المجلة إفتتاحيات تشيد بماما سوزان وإنجازاتها المدهشة لأطفال مصر، ويتدهور حال المجلة من أسبوع لآخر بشكل دفع ماجدة الجندي لأن تطلب رفع إسمها من الترويسة، وهو الطلب الوحيد الذي سارع مسئولو الأهرام إلى تلبيته.

بعد أن قامت الثورة وبعد أن قطعت ماجدة الجندي شوطا كبيرا في علاجها، ذهبت إلى الأهرام وأبدت لإدارتها رغبتها في إستئناف عملها حتى تستفيد منها المؤسسة بأي شكل، كانت معبأة بالمشاعر الإيجابية التي أعقبت الثورة وأحيت آمال الجميع في تحقيق العدل والمساواة، وعدها المسئولون في إعادة التعاون معها واستكتابها من جديد، وصدر قرار بتجهيز مكتب لها لتباشر عملها، لكن حماسها تحطم بعد مجيئ إدارة إخوانية إلى الأهرام، حيث تم التباطؤ في تنفيذ ما وعدت به، وهو ما كانت تتعامل معه بحسن نية، حتى فوجئت بأن الطناش والتأجيل كان محاولة من الإدارة الجديدة لكسب الوقت حتى يحل مطلع السنة الجديدة ويصدر قرار بإحالتها للمعاش لبلوغها سن الستين، برغم ما جرى العرف عليه في الأهرام بالتعامل مع كتاب الرأي بعيدا عن شرط السن، ليكون قدرا مقدورا عليها أن تذوق نار الطبعة الملتحية من الظلم بعد أن اكتوت بنار الطبعة الحليقة من الظلم في عهد مبارك.

ماذا يمكن أن يقول المرء عندما يتأمل رحلة طويلة مع الظلم كالتي خاضتها ماجدة الجندي سوى أن يتوجه بخالص التحية والتقدير لهذه السيدة العظيمة ويدعو لها باستكمال الشفاء، ويحيي عودتها للكتابة في صحيفة (التحرير)، ثم يختم كلامه بما يقوله الدكتور محمد البرادعي دائما معزيا نفسه ومتابعي تغريداته «إنه لأمر مشين. سننتصر»، أو ما أقوله أنا عادة مصبرا نفسي «سيكون أمرا مشينا لو لم ننتصر».

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites