الثلاثاء، 12 مارس 2013

إبتسامة الغريب


إبتسامة الغريب

لماذا تبتسم ياصديقي؟.

هل تبتسم لأنك رأيت الجنة؟. هل تبتسم لأن الملائكة قالت لك البشارة قبل أن تصعد روحك إلى جوار عرش الرحمن؟، هل تبتسم لأنك قبل أن تموت رأيت مصر وهي تُبعَث من جديد؟.

لماذا تبتسم ياصديقي؟، لعلك قبل أن يخترق الرصاص جسدك تذكرت نكتة قالها لك الحلاق الذي صنع لك هذه السكسوكة اللطيفة عندما ذهبت إليه ربما يوم الأربعاء 26 يناير، لماذا ذهبت إليه أصلا، هل كان هناك مشروع خطوبة أو مشروع خروجة؟، ما الذي جعلك تبتسم؟، هل كنت تهتف «تغيير.. حرية.. عدالة إجتماعية» وعندها تذكرت مفردات مرتبك الذي يفترض أن تعيش به عيشة آدمية كريمة؟، أم لعلك عندما استقرت بداخلك الرصاصة عرفت أنهم سينشرون صورتك في الصحف لكي يتعرف أهلك عليك دون أن يدركوا أن أهلك لا يمكن أن يشتروا صحفا لا تخصهم ولا تتحدث عنهم ولا تعنيهم في شيئ، أم أنك تذكرت خطبة لمبارك وهو يقول أن محدودي الدخل في قلبه وعقله، هل تذكرت أحلامك التي كانت تثير سخرية أصدقاءك على القهوة، أم لعلك تذكرت وجه حبيبتك التي حال بينك وبينها الفقر، تسألني: كيف عرفت أنك فقير؟، لو لم تكن فقيرا لما دفنوك غريبا وحيدا ياصديقي، لو لم تكن فقيرا لما إبتسمت وأنت ترى الرصاصة قادمة نحوك.

 لماذا خرجت إلى الشارع يومها ياصديقي؟، مم كنت تشكو؟، لو كان نزولك إلى الشارع صدفة فلماذا لم تبتعد عن المظاهرة إيثارا للسلامة؟، لو كنت غير معني بكل ماحدث فلماذا لم تختبئ طلبا للأمان؟، لماذا لم تقل لنفسك «وأنا مالي.. إياكش تولع.. ربنا يولي من يصلح.. مش هنلاقي أحسن منه.. ده ريسنا وأبونا وراجل كبير»؟، لماذا لم تخف على نفسك ياصديقي؟، وهل وجدت فرصة لكي تنطق بالشهادتين، أم أن آخر كلمة خرجت من فمك كانت «»سلمية.. سلمية»؟، أي الهتافات كان أحب إليك، أيها كان معبرا عنك أكثر؟، وهل كانت تلك مظاهرتك الأولى والأخيرة؟. لماذا أنت صامت ياصديقي؟، أجبني، لماذا قتلوك؟، وأين قتلوك؟، ومن الذي قتلك؟، هل قتلك الذي أطلق الرصاص عليك، أم الذي أمره بإطلاق الرصاص عليك؟. هل تبتسم تلك الإبتسامة الساخرة لأنك تصورت أن كل هذه الأسئلة لن يسألها أحد في وطن يُنسى فيه كل شيئ بعد حين؟، هل تبتسم ساخرا لأنك تدرك أننا قد ننساك مثلما نسينا شهداء ستة وخمسين وسبعة وستين وبحر البقر ومصنع أبو زعبل وتلاته وسبعين؟، هل تبتسم لأنك رأيت وجوه الجنود المجهولين وهي تلوح لك وتقول لك تعال إلى حيث النسيان، تعال إلى حيث النكران، تعال إلى حيث مرارة الحياة التي تجعل الشهيد يضحي بدمه لكي يأخذ الأحياء أجازة في ذكرى رحيله، تعال إلى حيث تُسدل ستائر النسيان على أبشع الجرائم بإسم المصالحة والإستقرار والمصلحة العليا، تعال إلى حيث ينسى الصامتون والمتواطئون تلك المقولة الخالدة «إفعل ماشئت كما تدين تُدان».  

لا ياصديقي، إطمئن، أنا لن أنساك ياصديقي، أنا وكل الذين خرجوا إلى الشوارع من أجل حريتهم وكرامتهم ومستقبل بلادهم، لن ننساك لأننا سنرى في وجهك المشرق مصيرا كان ينتظرنا ومستقبلا صنعته لأبنائنا، سنقاوم كل محاولة لمحو إبتسامتك الجميلة من ذاكرة الأجيال القادمة، لن نسمح بأن تذهب تضحياتكم هدرا ولن نترك قاتليك يفلتون من العقاب، ولن نسمح بأن تعود مصر عزبة لأحد أيا كان، لن نسكت على الجهل والنفاق ومسخ الذاكرة وإلباس الحق بالباطل، سنحارب من أجل أن تكون مصر بلدا لكل المصريين لا يفرق بينهم دين ولا مال ولا نسب ولا حسب ولا طائفة، سنعيد إليها مجدها الذي تستحقه، سنبنيها من جديد ولكن على نضافة. وحتى يتحقق كل ذلك  ياصديقي، ومهما رأيت من أحوالنا في القريب العاجل أو البعيد الآجل، أرجوك لا تجعل تلك الإبتسامة تغادر وجهك أبدا، ففي إشراقها وحده سنجد الخلاص، وبفضل سخريتها سنتذكر أن الثائر الحق لا يهدأ أبدا حتى وهو يبني الأمجاد.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites